الشيخ السبحاني

403

مفاهيم القرآن

الدنيا إلّاقليلًا ، في حين يتجلّى اللوم ويتجسّد يوم القيامة أكثر فأكثر . وأمّا كرامة النفس اللوامة فواضحة جداً ، لأنّها تردع الإنسان عن اقتراف الذنوب ، ولا يمكن خداعها ، وهي يقظة تزجر الإنسان دائماً بالنسبة إلى ما عمله وقصده . إنّ إبراهيم لما حطّم الأصنام وجعلها جذاذاً إلّاكبيراً لهم لعل القوم يرجعون إليه ويرتدعون عن عقيدتهم بألوهيتها ، فلمّا رجعوا ووقفوا على أنّه عمل إبراهيم أحضروه للاقتصاص منه ، وخاطبوه بقولهم : « أأنت فعلت هذا بآلهتنا » ، فأجابهم إبراهيم : « بل فَعَلَهُ كَبيرهُم » ، ثمّ أمرهم بسؤاله عن الجريمة التي ارتكبها ، فبهُت الجمع من هذا السؤال وظلوا صامتين لعجزهم عن الإجابة ، فعندئذ تبين لهم أنّ مثل هذا الصنم أحط من أن يعبد ، فاستيقظ وجدانهم وأخذت نفوسهم تلومهم على النهج الذي اختطوه ، بل الآلهة التي عبدوها حيث وجدوا انّها غير خليقة بالعبادة والخضوع ، وهذا ما يحكي عنه القرآن بقوله : « فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنّكم أنتم الظالمون » أي خاطبوا أنفسهم بالظلم ، فكأنّه قال بعضهم لبعض أنتم الظالمون حيث تعبدون مالا يقدر عن الدفع عن نفسه وما نرى الأمر إلّاكما قال هذا الفتى . هذه هي النفس اللوامة التي تظهر بين الحين والآخر وتزجر الإنسان عن ارتكاب الذنوب . وهذا الذي يسمّيه علم النفس في يومنا هذا بالوجدان الأخلاقي ، ويصفون الوجدان محكمة لا تحتاج إلى قاض سوى النفس ، وهي التي تقوم بتأسيس المحكمة ، وتشخص المجرم ، وتصدر الحكم بلا هوادة ، ودون أيتهاون . وفي الآيات القرآنية الأُخرى إشارة إلى تلك المرتبة من النفس ، يقول